[google05f5c7d94ac18bb8.html]
آخر الأخبار

استراتيجية الردع والغموض النووى الإسرائيلى .

اعداد / كمال ابوضيف

10483148_682592231825387_2022186291453583680_nيعتبر السلاح النووى الإسرائيلى، من أكبر الألغاز التى ظلت بلا جواب على مدى العقود الماضية. وحتى الآن لم يصرح قادة هذا النظام رسمياً بامتلاك هذا السلاح، ولا تعد المؤشرات التى تفيد بامتلاك إسرائيل للقوة النووية مجرد مجموعة من المعلومات الغامضة والأخبار المتناقضة التى نشرت إما فى صحف إسرائيلية أو غربية، ومع هذا لم تسمح الوكالة الدولية للطاقة الذرية بطرح هذا السؤال فى المحافل الدولية، وإسرائيل بامتلاكها لهذا السلاح تتبع سياسة غامضة فيما يتعلق بالأسلحة النووية وتعتبر أن هذه السياسة هى الأنسب لتحقيق أهدافها فى الشرق الأوسط، وقد هيأت الظروف والأوضاع اللازمة لإنجاح استراتيجية الردع، ولكن هذه الاستراتيجية أثبتت فشلها بمرور الأيام، حيث عجزت عن احتواء انتفاضة الأقصى ونجاحات حزب الله فى الجنوب اللبنانى.
إن الردع بوصفه أحد عناصر الدبلوماسية أو الاستراتيجية القومية ليس حديث الظهور، ولكنه يعود إلى أساليب تم انتهاجها منذ بداية الحضارة البشرية. وقد ظهرت استراتيجية الردع بالشكل المتعارف عليه حالياً خلال الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة.
إن أى دولة لديها السلاح النووى تحظى بأهمية بالغة عند اتخاذ أى إجراء سياسى وذلك فى أى مكان بالعالم، هذه الأهمية والحساسية قد تطيح بتوازن القوى سواء إقليمياً أو دولياً، كما أن تفرد إسرائيل بترسانة نووية فى الشرق الأوسط أطاح بتوازن المنطقة سواء عربياً أو إسلامياً.
وبشأن استراتيجية الردع النووى الإسرائيلية فى الشرق الأوسط يجدر السؤال: هل تؤثر هذه الاستراتيجية فى تحقيق الأهداف الإسرائيلية فى المنطقة؟، وهل تستطيع إسرائيل من خلال تهديداتها النووية تغيير نهج الدول العربية والإسلامية إزاءها فى الشرق الأوسط؟، وهل تتمكن إسرائيل من خلال هذه الاستراتيجية من إجبار دول المنطقة على القبول بعملية السلام التى تريدها؟
مع الأخذ فى الاعتبار الحقائق الراهنة فى الشرق الأوسط والأوضاع الجغرافية والسكانية الخاصة بالمنطقة، يمكن تأكيد فشل استراتيجية الردع النووى الإسرائيلى. وللإجابة على الأسئلة سالفة الذكر تجدر الإشارة أولاً إلى قدرات إسرائيل النووية، ومن ثم أهداف إسرائيل الاستراتيجية فى الشرق الأوسط.
إلى الآن، لم يصرح قادة إسرائيل بامتلاكهم سلاحاً نووياً، لكن حقيقة امتلاك إسرائيل قوة نووية، انعكست من خلال معلومات غامضة وأخبار متضاربة ومتناقضة سواء فى الصحف الإسرائيلية أو الغربية. وبالرغم من عدم وجود مستندات ووثائق رسمية تؤكد وجود سلاح نووى فى إسرائيل، إلا أن الشواهد والقرائن العديدة تؤكد وجود سلاح نووى فى إسرائيل. وقد وجه بن جوريون أول رئيس وزراء إسرائيلى خطاباً إلى الطلبة اليهود الألمان الذين قدموا إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة قبل الحرب العالمية الثانية، جاء فيه: “أريد منكم بذل أقصى جهودكم فى الأبحاث والتجارب النووية والقيام بكل ما من شأنه تمكين إسرائيل من الحصول على السلاح النووى”.
ومنذ تأسيس إسرائيل عام 1948، أكد قادة هذا النظام مراراً على ضرورة امتلاك إسرائيل للسلاح النووى، ومن هذا المنطلق ينبغى الإشارة إلى بعض التصريحات والشواهد التى تؤكد مساعى هذا النظام الحثيثة الرامية إلى امتلاك سلاح نووى.
وفى 4 سبتمبر 1974، ورد فى تقرير لوكالة المخابرات الأمريكية (CIA) المقدم إلى الكونجرس الأمريكى أن إسرائيل حصلت فى ذلك الوقت على السلاح النووى، كما نشرت صحيفة التايم الأمريكية بتاريخ 12 أبريل 1976 خبرا مفاده أن إسرائيل امتلكت 13 قنبلة نووية يمكن حملها بواسطة طائرات الفانتوم وكافير. وفى 2 يونيو 1975، أكد الرئيس الامريكى الأسبق ريتشارد نيكسون خبر امتلاك إسرائيل لعشرة رؤوس نووية من النوع الذى استهدف هيروشيما وناجازاكى. وفى عام 1980 أشار أمين عام الأمم المتحدة فى ذلك الوقت خلال تقرير له إلى هذا الخبر مؤكداً سعى بعض الدول إلى امتلاك هذه الأسلحة بشكل سرى وعلى مدى فترات طويلة، وأن هذه الدول مصدر تهديد وعلى رأسها إسرائيل.
من ناحية أخرى، تؤكد تصرحيات مردخاى فانونو، وهو أحد خبراء مفاعل ديمونا النووى فى إسرائيل، امتلاك هذه الدولة للسلاح النووى. وخلال حديثه لصحيفة صانداى تايمز قال فانونو: “تمتلك إسرائيل من 100 إلى 200 قنبلة نووى وتعتبر سادس أكبر قوة نووية فى العالم”.
وبالإضافة إلى الدلائل والقرائن السابقة، تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تمتعت بجميع الإمكانات الفنية اللازمة لإنتاج مثل هذا السلاح داخل إسرائيل، كما أن وجود خبراء ذريين ورأس مال ضخم ومفاعلات نووية متقدمة ووسائل قصف من أجل إيصال الرؤوس النووية إلى الأهداف بدقة، جميعها عوامل تؤكد أن إسرائيل قوة نووية أو على الأقل لديها القدرة، فى وقت الضرورة، على القيام بتصنيع أسلحة نووية.
من ناحية أخرى، فإن عدم توقيع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وعدم مراقبة النشاطات النووية الإسرائيلية من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية منح إسرائيل فرصة لتطوير ترسانتها النووية، وتؤكد بعض المصادر على أن عدم رقابة الوكالة الدولية على نشاطات إسرائيل النووية جعل هذه الدولة تنجح فى تصنيع مائة رأس نووية.
أهداف إسرائيل الإقليمية
لقد كانت استراتيجية إسرائيل الإقليمية المتبعة تجاه الشرق الأوسط بالقطع وراء حصول إسرائيل على السلاح النووى، حيث استمرار بقاء هذا النظام والحفاظ على وجوده. فطالما نظرت دول المنطقة إلى إسرائيل على أنها نظام غير شرعى ومغتصب للحقوق مما يهدد أمن واستقرار هذه الدولة التى تسعى لإيجاد حدود آمنة وتسعى للتوسع من خلال استقدام المهاجرين وبناء المستوطنات فى الأراضى الفلسطينية.
من ناحية أخرى، فإن احتلال أراضى جديدة والهيمنة على مصادر المياه تأتى ضمن الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية الهامة. ومن الملاحظ أن إسرائيل لم تحدد حتى الآن حدودها بشكل واضح وشفاف، وهذا الغموض فى الواقع بمثابة سياسة ستساعد إسرائيل حتى تتوغل فى الشرق الأوسط وقتما تشاء وهى ضمن أهداف إسرائيل الاستراتيجية. وفى هذا السياق تسعى إسرائيل من أجل النفاذ إلى الأسواق العربية والإسلامية من خلال الاستثمار فى دول الشرق الأوسط أو إرسال خبراء وعلماء إلى هذه الدول أو عن طريق تصدير تكنولوجيا إلى هذه الدول، وطرح الشرق الأوسط الجديد من جانب إسرائيل هو فى الواقع إطار محدد وواضح عكس أهداف هذا النظام الرامية إلى التوغل فى الأنظمة الاقتصادية الشرق أوسطية، وقد وُضع ذلك فى الاعتبار خلال مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية بهدف تحقيق أهدافها الاستراتيجية فى الشرق الأوسط، هذا وقد فعلت إسرائيل سياسة الردع على المستويين، المتعارف وغير المتعارف. وقد كان الدخول فى حرب شاملة أو محدودة مع الدول العربية بهدف تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية فى المنطقة، وبمرور الوقت توصلت إسرائيل إلى نتيجة مفادها أنها لن تستطيع تحقيق أهدافها الإقليمية اعتماداً على الأسلحة التقليدية. وبناء عليه، اتخذت قراراً بانتهاج منحى آخر.
جاء هذا القرار من جانب إسرائيل بعد أول هزيمة لها فى الشرق الأوسط، فقد أدركت إسرائيل أن امتلاكها للسلاح النووى سيطيح بتوازن القوى ليس فقط فى المنطقة والشرق الأوسط ولكن فى العالم بأسره، فقد أدركت إسرائيل أن ما لديها من أسلحة متطورة لم يحل دون هزيمتها فى حرب أكتوبر 1973، والتى ألقت بظلالها على الفكر الاستراتيجى الإسرائيلى. من ناحية أخرى، اندفعت إسرائيل باتجاه سياسة الردع من منطلق الفترة التى عايشتها بعد حرب أكتوبر على الصعيد الإقليمى والدولى، حيث العزلة وإصدار قرارات دولية تدين السياسات الإسرائيلية فى الأراضى العربية المحتلة عام 1967. فحصول إسرائيل على السلاح النووى سيُنهى هذه العزلة من ناحية، وسيُزيد من مكانة إسرائيل بين دول الشرق الأوسط من ناحية أخرى، هذا بالإضافة إلى ترهيب أى دولة عربية ترغب فى مهاجمة إسرائيل.
تعقل متخذى القرار ووجود بدائل عدة
يكون الردع على أساس فرضية وجود الحد الأدنى من التعقل فى فكر وأسلوب الحكومة المنافسة، وبفرض وجود مثل هذا التعقل يكون من الضرورى التريث وحساب ما ستؤول إليه الأمور وعوامل توازن القوى فى المنطقة فى حالة اتخاذ أى قرار، فالكيان الذى يرغب فى تغيير أو مهاجمة الأوضاع القائمة يكون مضطراً إلى استخدام بدائل أخرى أقل حدة من الهجوم، من أجل الحفاظ على وجوده. فاستخدام السلاح النووى لا يؤدى فقط إلى تزايد النفقات العسكرية والخسائر، ولكنه وسيلة غير منطقية لتأمين المصالح القومية وأداة غير مناسبة لتحقيق الأهداف المرجوة.
وهذا ما حدث بالفعل عندما اندلعت الانتفاضة فى فلسطين، وعندما نجحت المقاومة الإسلامية فى جنوب لبنان فى إخراج القوات الإسرائيلية من الأراضى المحتلة. ولبحث أسباب فشل نظرية الردع النووى الإسرائيلى واستخلاص نتائج الانتفاضة الفلسطينية على المستوى الإقليمى والدولى وأسباب نجاح حزب الله فى جنوب لبنان، يجب القول إن إسرائيل اعتمدت فى تلك الحالات على العقلانية أكثر من أى أداة أخرى.
ويعتقد بعض محللى العلاقات الدولية أن الاعتماد أكثر من اللازم على حسابات متخذى القرار لدى كلاً الطرفين، بعيداً عن الاهتمام بالمبادئ الُمتنازع عليها، خطأ جسيم، لأن أحد الأطراف قد يكون مضطراً أحياناً لدفع خسائر بشرية ومالية ضخمة فى سبيل عدم التخلى عن إقليم محتل، فى حين لا يمثل احتلال الأرض لأحد لأطراف أهمية رئيسية، ويكون ضمن حساباته أن أى إجراء متهور لا يمكن التنبؤ بتبعاته.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

google-site-verification: google05f5c7d94ac18bb8.html

Powered by www.worldforhost.net