آخر الأخبار

هاني أبو الفتوح يكتب: صفعة على وجة أمريكا القبيح

هاني أبو الفتوح يكتب: صفعة على وجة أمريكا القبيح

لم نعهد من أمريكا خلال عقود طويلة ماضية إلا كل غطرسة في جميع المحافل الدولية وشتى القضايا، ليست السياسية فحسب، بل على جميع الأصعدة. ينبع هذا الموقف المتغطرس إلى اعتقادها أنها القوى الأعظم من بين الأمم، وأن جميع دول العالم يجب أن تسير في ركبها، وإلا استحقت النقمة والعقاب على مواقفها المخالفة. هكذا تستخدم أمريكا سياسة “لي الذراع” تجاه الدول التي تخالفها المواقف غير عابئة بالأجماع الدولي المناهض لسياستها ومواقفها التي طالما تحقق مصالحها أولا ثم مصالح حلفائها المدللون، وعلى رأسهم إسرائيل. أما بشأن اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل، فالحديث ذو شجون.

صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية الأسبوع الماضي على مشروع القرار الذي قدمته مصر نيابة عن المجموعة العربية لحماية مدينة القدس، ورفض أي محاولة لتغيير وضعها القانوني. هذا القرار الرافض لإعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وكانت نتيجة التصويت على مشروع القرار صفعة على وجه أمريكا القبيح بتأييد ساحق لعدد مائة وثمانية وعشرون دولة لمشروع القرار، ومعارضة أمريكا وإسرائيل وسبعة دول أخرى، بينما اختارت خمسة وثلاثون دولة الامتناع عن التصويت، وتخلفت واحد وعشرون دولة عن جلسة التصويت. وكان مجلس الأمن الدولي قد عقد جلسة في نفس الأسبوع للتصويت على مشروع قرار مصري حول القدس، وحصل مشروع القرار على تأييد أربعة عشر عضوا، بينما عارضته أمريكا التي استخدمت حق الفيتو مما أفشل صدور القرار.

وبتحليل نتيجة التصويت على مشروع القرار المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، نستخلص أن الدول التي صوتت ضد مشروع القرار بخلاف أمريكا وإسرائيل هي في الغالب دول لم نسمع عنها الا النذر اليسير في نشرات الأخبار، وهي جزر مارشال، وميكرونيزيا، وتوغو، وبالو، هندوراس، وغواتيمالا، وناورو. هذه الدول ليس لها ثقل في الساحة الدولية، وتهيمن عليها أمريكا. فهي دول تكاد أن تكون تحت سيطرة السيادة الأمريكية بشكا كبير، لذلك لا يمكن أن يكون لها موقف مخالف للإرادة الأمريكية. هذا الموقف ينطبق عليه المثال العامي المصري الشهير “أطعم الفم تستحي العين”.

أما الخمسة وثلاثون دولة التي اختارت الامتناع عن التصويت، فلديها أسباب تجعل الاختيار الأمثل هو عدم التصادم مع أمريكا في ضوء المصالح القوية المشتركة معها، والتي يمكن أن تتأثر بشدة في حالة مخالفة الإرادة الأمريكية. بالطبع، تسعى تلك الدول على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع أمريكا، ومع مجموعة الدول الأخرى المؤيدة للقرار، بما فيها الدول الخليجية التي ترتبط معها بمصالح تجارية وأعمال واستثمارات ضخمة للغاية.

وكما كان متوقعا، أظهرت أمريكا الوجه القبيح عندما شنت المندوبة الأميركية، نيكي هالي، هجوما عنيفا على الأمم المتحدة مذكرةً بأن أمريكا “أكبر مساهم في ميزانيتها”، وكررت تصريحاتها المعادية السابقة للأمم المتحدة ووصفتها بأنها “طالما كانت مكانا معاديا لإسرائيل”، وأضافت أنها “مضطرة للدفاع عن مصداقية أمريكا التي هي أكبر دولة مساهمة في الأمم المتحدة ووكالاتها، فأمريكا توفر التعليم والرعاية للبؤساء كذلك تحاسب الأنظمة المارقة”.

وعلى نفس السياق من “السفالة” السياسية، وجه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة هجوما عنيفا على المنظمة الدولية في كلمته حيث وصف المؤيدون لمشروع القرار بأنهم دمى تحركها القيادة الفلسطينية، واتهم الأمم المتحدة بالنفاق، مؤكدا المزاعم الإسرائيلية بأن القدس عاصمة إسرائيل.

لن تكون هذه الموقعة الديبلوماسية الأخيرة من نوعها، ولكنها تبرهن يوما بعد يوم أن أمريكا لا تهتم الا بمصلحتها دون اعتبار للمجتمع الدولي الذي أجمع على معارضة قرارها بشأن القدس. والدرس المستفاد هو أن أمريكا مهما أبدت من مودة وتقارب للدول العربية، فإن إسرائيل سوف تظل الحليف المدلل الأقرب إليها، وأنها لن تسمح بالمساس باختلال ميزان القوى في الشرق الأوسط، أو بانتهاج مواقف ترى من جانبها أنها تضر بالمصالح الإسرائيلية في المنطقة.

***

[email protected]

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

%d مدونون معجبون بهذه: