آخر الأخبار

راديو زمان في حارتنا

راديو زمان في حارتنا

بقلم:دكتور محمد إبراهيم

نحن جيل تربي وكبر علي صوت الراديوفي المنزل والحارة ،جيل استمد قيمه وتقاليده وخيالة الخصب من برامج الإذاعة المصرية الجميلة، وأصوات مقدموا البرامج بها ( باباشارو – صفية المهندس –فؤاد المهندس –فاروق شوشة – طنط سناء وعمو حسن –آيات الحمصاني – أبلة فضيلة – آمال فهمي – رأفت فهيم –إيناس جوهر- علي فايق زغلول- سعد الغزاوي وسميرة عبد العزيز- عمر بطيشة…..)، جيل تربي علي كلمات الأغاني الجميلة والأصوات العذبة الندية التي تبعث علي الأمل والحماس والتفاؤل، جيل تربي علي البرامج الهادفة والأفكار القيمةأيام كانت الإذاعة مؤسسة تربوية.
لم يكن الراديو مجرد جهاز خشبي في ركن المنزل أو احد دكاكين الحارة، بل كان نافذة البيت والحارة علي الدنيا صباحا ومساءا،لاتزال دقات الساعة المنبعثة من الراديو في الصباح معلنه عن بدأ يوم وصباح جديد ترن في آذاني، ولا يزال صوت الشيخ محمد رفعت الندي مرتلا لآيات الذكر الحكيم يملئ وجداني ومشاعري، لا يزال صوت البيانو الجميل لبرنامج ( تمرينات الصباح) التنشيطية أذكره وأذكر كلماته،لايزال صوت أم كلثوم بأغنيتها الشهيرة( ياصباح الخير ياللي معانا ياللي معانا الكروان غني وصحانا وصحانا)والرائع الجميل ذو الصوت العذب محمد قنديل ( ياحلو صبح ياحلو طل… ياحلو صبح نهارنا فل .. وأغنية صبح ياجميل ياجميل صبح) وأغنية نجاح سلام ( صبح الصباح محلاه والشمس جايا معاه … وكل شيئ في الكون سبح بحمد الله) حقا كان الصباح مع الراديو له مذاق آخر، يصحو الجميع معه في نشاط وحيوية وتفاؤل لبداية يوم جديد .
كان الراديو في المنزل يفتح من السادسة صباحا علي عدة برامج شهيرة نسمعها نحن الأطفال ويتابعها طيلة اليوم الكبارمن أهل المنزل، كما كانت أصوات الراديو تستمر في الدكاكين والمحلات الموجودة بالحارة، لمتابعة مايدور في العالم الخارجي من أخبار،وكان أشهرها برنامج ( اخبار خفيفة)ثم تتتابع وتتوالي البرامج التي يحرص البعض علي متابعتها يوميا خاصة نساء المنزل كبرنامج ( الي ربات البيوت ) وكان يتخلله فقرة شهيرة لخالتي بمبة( ملك الجمل ورأفت فهيم )يناقش من خلالها بعض العادات النسائية المذمومة في درس موجه لهن، وكانت اللازمة الشهيرة لخالتي بمبة والتي كان يرددها النساء جميعا ( ياعيني عليا )،أما نحن الأطفال فكانت تجذبنا جميعا بعض البرامج المرحة ( فنتستيكا فن فن فنتستيكا .. برنامج صنع الفبريكا .. فن لمن للأطفال … لأن هم بيحبوا الفنتستيكا… غنوة بدون كلام وبدون مزيكا… للرائعين طنط سناء وعمو حسن ) كما كان برنامج ( غنوة وحدونة ) للرائعة أبلة فضيلة بصوتها الطفولي من أكثر البرامج التي كنا نتابعها بمقدمته المبهرة( ياولاد ياولاد تعالوا تعالو .. علي جنتنا أبلة فضيلة .. راح تحكلنا حكاية جميلة)، كما كان برنامج الأذاعية اللامعة إناس جوهر ( تسالي ) بمقدمته المبهجة ( هالو.. تساااالي . غمض عنيك بخفة ودلع .. الدنيا هي الشبة وأنت الجدع .. تشوف رشاقة خطوتك تعبدك .. لكن أنت لو بصيت لرجليك تقع عجبي)،كما كان الكبار يحرصون علي سماع الرائع فؤاد المهندس في برنامجه الشهير( كلمتين وبس) والتي اصبحت لزمته الشهيرة علي لسان الجميع من أهل الحارة ( مش كدة ولا أيه) مصاحبة لهم في أحاديثهم علي سبيل التأكيد لمعني ما ،أما السائقين من أهل الحارة فكانوا دائما مايتابعون قبل خروجهم لعملهم برنامج ( طريق السلامة ) بأغنيته الشهيرة ( بالسلامة ياحبيبي بالسلامة .. بالسلامة تروح وترجع بالسلامة) الذي كان يقدم بعض النصائح والارشادات لهم ،كما لم تهمل الإذاعة طبقة المثقفين ومتذوقي الشعر، فكانت تقدم برنامج ( قطرات الندي ) للرائعين سلوان محمود والشاعر فاروق شوشة،وفيه مختارات من الأشعار الرقيقة بصوت فاروق شوشة الدافئ المعبر، كما كان برنامج ( قال الفيلسوف) للرائعين سعد الغزاوي والفنانة سميرة عبد العزيز من البرامج المفيدة في إمدادنا بالحكمة وتفسير الأشياء والكلمات والمعاني الراقية.
لم يقتصر تاثير الراديو علي مايذيعه في الصباح ،بل كان البعض خاصة الصنايعية والترزية في الحارة يحرصون علي إدارة مؤشر الراديو لإذاعة أم كلثوم في الساعة الخامسة لسماع وصلتها، كما كان العشاق والحبيبة من أهل الحارة يحرصون علي سماعها في التاسعة مساءا في محاولة لأطفاء أشواقهم الملتهبة للحبيب،علي الجانب الآخر حرص البعض وخاصة يوم الجمعة علي متابعة الرائعة امال فهمي في برنامجها ( علي الناصية ) الذي كان يفجر بعض القضايا ويستضيف بعض الشخصيات من علي قارعة الطريق مع إذاعة أغنية يطلبها الضيف في نهاية البرنامج،أما مباريات القدم المذاعة في الراديو فقد كانت تشعل الحارة بصياح المتابعين للمبارة وهتافاتهم المدوية في حالة إحراز الفريق لهدف.
لم يكن الراديو مجرد جهاز ثابت في المنزل أو المحل بل أصبح حياة متنقلة لدي الناس ،فكان البعض يحمل الراديو الترانزيستور الصغير معه في ترحاله وتجواله لمتابعة أخبار الدنيا من خلاله حتي لايفوته خبر أو برنامج يتابعه، ومن الطرائف التي تروي أن راديو المنزل كان يصنع له كسوة من القماش حتي لاتؤثر الأتربة عليه وعلي نقاء صوته، اما أصحاب المحال والدكاكين فكانوا يصنعون له رفا خشبيا عاليا يوضع فوقه الراديو.
أما الطرائف التي كانت تحدث لنا ونحن أطفال أننا كنا نقوم بالخبط علي الراديو في حالة قطع الصوت ليعود مرة أخري ، فنحن الشعب الوحيد في العالم الذي كان يصلح الراديو بالخبط عليه ،كذلك كنا دائما مأ نتخيل اشكال المذيعين ومقدمي البرامج بصور مختلفة، حتي إذا ماكبرنا وسمحت لنا الظروف برؤيتهم تبدلت صورهم وماكنا ننسجه لهم في خيالنا الطفولي، كما كانت بعض الاوبريتات الإذاعية الشهير ( السوق- مرزوق العتقي والسلطانية – الدندورمة – عذراء الربيع…) تجعل الخيال لدينا خصبا ومتسعا، وهو ماجعلنا جيلا يختلف في تكوينه وأحاسيسة عن الجيل الحالي الذي تربي علي الصورة الجاهزة وعلي الأصوات المنفرة الماسخة والكلمات البذيئة، التي حولت الأستماع ومتعته الي مسخ دميم تحت شعار التطور والتكنولوجيا، وفي النهاية لاأجدني إلا قائلا سلام عليكم ايها الجيل الإذاعي العظيم أرقدوا في قبوركم ناعمين بالهدوء والسكينة بعد أن علمتمونا قيمة الكلمة وحسن الصوت

نبذة عن الكاتب

مدير تحرير صوت مصر الحرة

مقالات ذات صله

Powered by www.worldforhost.net